تآمر ولد محمد فال وارد ولكن!
كتبهاولد عبد الكافي ، في 23 أبريل 2008 الساعة: 14:43 م
كما هو متوقع إنصب إهتمام الصحافة (المطبوعة والألكترونية) هذا الاسبوع على الأحداث المروعة التي عاشتها إنواكشوط. فبعد أيام من نقل الخبر ونقيضه عن قتيل لم يقتل، وناج لم ينج، وجريح لم يجرح، وهارب لا زال في قبضة "العدالة" وعن خطط "إرهاب" كانت، أو لم تكن، وبعد أن تحول الصراع بين قوى الامن و "السلفيين" من واقع المواجهة إلى المطاردة بدأ الحديث على ما يبدوا يتركزعلى محاولة معرفة خلفيات هذا الصراع وأبعاده.
وهكذا فلم تكد تخفت أصوات الرصاص حتى طفت على السطح مجموعة من الكتابات (و قد تحمل الأيام القادمة المزيد منها) حاول أصحابها أن تكون تفسيرا للأعمال الإجرامية التي شهدتها موريتانيا في بحر الأسبوع الماضي. ورغم أنه من الطبيعي أن يظهر هذا النوع من الكتابات عقب حوادث بهذه الدرجة من الخطورة و"التشويق"، فإنه لفت إنتباهي سرعة خروج بعضها إلى العلن و كذا جرأة (إن لم نقل تسرع) أصحابها في إستخلاص النتائج وصوغ الخلاصات. لكن الشيئ الأغرب هو أن هذه "العجلة" النسبية لم تنعكس على مضمون هذه الكتابات حيث جائت محملة بنبرة قوية واثقة وكأن أصحابها إما شاركوا في تخطيط أو تنفيذ هذه الأعمال، أو كانوا يسترقون السمع إلى أخبارها وهي تعرج إلى السماء!
ولأن هذه الكتابات حملت مزيجا مشوقا من المعلومات والآراء والمغالطات الجريئة فقد قررت أن أحاورها أبرزها في الأسطر التالية. وقد وقع إختياري على "تحليل إخبراي" نشر على موقع "تقدمي" وهو تحليل حبذ صاحبه الغوص في كتب علم المؤامرة والخروج بصفحة حمراء تقطر دما رغم عجزه عن ترجمتها بأسلوب علمي متوازن فجائت تفوح قبلية وطائفية.
لقد تحدث هذا الكاتب عن وجود أياد خفية حركت بيادق "السلفين" سعيا إلى خلق إطار من الفوضى وزعزعة الإستقرار لدرجة تفتح الباب لهؤلاء للدخول "مجددا" إلى القصر الرمادي. ومع أن صاحب هذه "النظرية" لم يوضح نوعية الظروف أو التوقيت الذي يعتزم فيه هؤلاء الخروج إلى العلن والإمساك بزمام الأمور فإنه كان صريحا في توجيه التهمة إلى رئيس المجلس العسكري السابق إعل ولد محمد فال. إذ يرى صاحب هذا الطرح أن هذا الأخير لم تفارقه أحلام العودة إلى الكرسي الرآسي بعد أن نزل عنه "مكرها لا بطلا". و"الدليل"—وهنا أشكر للغة مرونتها— على صحة هذا الطرح حسب صاحبه هو بالإضافة إلى الكثير من التفاصيل حول علاقات القرابة بين ولد محمد فال وبعض مديرى الأمن السابقين من جهة وبعض المتهمين من جهة أخرى بعضها سليم وبعضها الآخر سقيم (والتي لا تثبت أي شيئ لا منطقيا ولا جنائيا إلا إذا كان المرأ يفكر بنفس النمط الذي تفكر به سلطات الأمن الوطنية والتي على ما يبدوا يشاركهم فيها بعض من يحسبون على النخبة)، هو غرابة تجاسر " السلفين" المفاجئ ومجابهتهم لقوى الامن في ظل حكومة عمد رئيسها إلى التسامح مع التيارات الإسلامية–التي لا يرى الكاتب فرقا بين المسيس والمسلح منها– وفتح المعترك السياسي أما مها من خلال الترخيص لحزب "إسلامي" بل وإستقبال كبار منظريها في قصره، في حين أن هذه الجماعات ظلت خانعة و غير قادرة على أن تحرك ساكنا في عهد ولد الطائع الذي أطلق العنان لأجهزة أمنه فطفقت تسومها سوء العذاب. وهو ما إستخلص منه الكاتب أن هذه الجماعات غير قادرة على التحرك منفردة ولو كان ذلك بوسعها لما ترردت في فعله أيام محنها العصيبة من حكم معاوية. وبالتالي لزم (تتدرج خيوض المنطق هذا هكذا) من ذلك أنها اليوم تتحرك بأجندة غير أجندتها وبدعم من أناس أكثر قدرة على التخطيط والتكتيك.
والمشكلة الحقيقية في هذا النوع من "التحليل" إن جاز أن نسميه تحليلا هو أنه يبدأ منتهيا. فبدل الإنطلاق من مجموعة من المعلومات والمعطيات والتعامل المجرد معها من أجل تحديد نوع العلاقات التي تربطها ببعضها البعض وإفساح المجال أمامها كي تحدد مسار ومجريات البحث والسير ورائها بغية تحرير النتائج من تأثير عواطف، ومشاعر الذات الباحثة، فإنها تستهل وقد خلقت نوعية النتائج والمآلات التي تبحث عنها في رحلة عكسية يائسة بحثا عن الأدلة والبراهين في مجموعة المعطيات المتوفرة وهو ما يعني في النهاية أن النتيجة المحددة سلفا تجعل الذات الباحثة تفرض مسارا معينا للبحث ومن ثم نوعية القراءات والتفسيرات المقبولة وغير المقبولة على أسس عاطفية محضة.
ولاغرابة إذن أن يتم تجاهل عدد من الإحتمالات الواردة في تقويم وإستقراء هذه المعلومات لأن بعضها يأخذ بالضرروة القارئ في مجموعة من الطرق الثانوية التي تقود إلى نهايات كثيرة تجعل من أي إستخلاص عملا ظنيا بعيدا عن مستوى القطعية واليقين الذي ذهبت إليه فكرة تآمر ولد محمد فال (والتي قد تكون واردة، لكنها في غياب الأدلة التي لاتبقل تعدد التأويلات تبقى في أحسن الأحوال ظنية، وبعض الظن إثم).
وطرح السؤال عن سبب غياب تحرك "السلفيين" في العهد الطائعي وتحركهم المفاجئ اليوم في عهد أعطوا فيه مجالا معتبرا من الحرية هو أمر وارد وملاحظة ذكية، لكن الإجابة عليه ليست بالقدر من السهولة التي تم التعامل معه بها لسببين رئيسين:
1-الطبيعة المركبة للسؤال: حيث أن الإجابة عليه تتطلب تقيم جانبين مختلفين، أحدها حصول الرغبة أو إنعدامها لدى هذا التيار في الإنتقام عسكريا من حكم ولد الطائع (وإفتراض أن مجرد حالة الصدام الفكري الموجودة أن إذن كافية لإثباتها هو مجرد إفتراض لا أكثر)، وثانيها هو حصول القدرة (بشقيها البشرى والوجستيكي) وهي مسألة لا يتوفر للكثيرين خارج المؤسسات الإستخبارية الحد الكافي من المعلومات لتقييمها، وعليه يبقى الحديث خارج هذه الدوائرعنها تخرصا ليس إلا!
2-صعوبة إثبات الفرضية التي ينبني عليها التصور القائل بمسؤولية "السلفيين" كتيار عن الاعمال الأخيرة، إذ من الوارد جدا أن تكون المسؤولية محصورة في جماعة قليلة داخل التيار تحركت لمفردها دون الرجوع إلى القيادات. والظاهر حتى هذه اللحظة من حيثيات الأحداث يغزز على ضبابيته هذا المنحى.
ينضاف إلى هاتين النقطتين أن عدم حصول صراع مسلح في العهد الطائعي مع هذه المجموعة قد يكون راجعا إلى كون الأفراد الذين شاركوا في العمليات الأخيرة إما لم يكونوا قد وصلوا حينها إلى مستوى من الرادكالية والتشدد يجعلهم يرون الإشتباك في شوارع إنواكشوط مطلبا شرعيا أو حتى أمرا نبيلا، أو أنهم حينها أخذوا على حين غرة دون أن يكونوا أوعبوا للمواجهة. وقد يكون الأمر عائدا إلى التجربة التي عاشها هؤلاء في سجون ولد الطائع وما لاقوه من كرم ضيافة على أيدي زبانيته في وقتها، إذ من الوارد جدا أن تكون تلك السجون وبئتها الأرضية الخصبة التي ترعرعت فيها أفكار "التكفير والتقتيل" التي تحدث عنها المقال موضع الذكر. ودرو السجون في تغذية التطرف وتكوين أجياله ليس أمرا بدعا وما أهل فرعون منكم ببعيد!
ثم حتى لو سلمنا بأن الجماعة "السلفية" أو أفرادها التكفيريين ليسوا على مستوى من التنظيم والنضج العسكري يمكنهم من القيام بالأعمال التخريبية التي حصلت مؤخرا (على بدائيتها) وأنها تلقت تسهيلا ت من قبل أناس في مراكز حساسة أو على قدر كبير من الكفائة ، فإن قائمة المرشحين لهذا العمل طويلة عريضة ولا يمكن حصرها في شخص ولد محمد فال ولا حتى المقربين منه. فلنظام ولد عبد الله خصوم وأعداء كثر قد تدفعهم مصالحهم الضيقة إلى دعم عمل من هذا القبيل. وخلاصة القول أنه حتى داخل نظرية التآمر فهنا الكثير والكثير من الفرضيات التي كان على "المادة الرمادية" المتجولة في رأس المحلل هذا أن تتنبه لها. أما وأن ذلك لم يحصل فإنه عليه أن يفهم أن على نظريته التنافس مع الفرضيات هذه!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























