رحماك يا رب!!
كتبهاولد عبد الكافي ، في 25 يونيو 2008 الساعة: 06:39 ص
من الصعب جدا على المراقب الخارجي فهم النظرة المزدوجة والمتناقضة أحيانا لدى المجتمع الموريتاني لإختلاس المال العام، فمن جهة تتم إدانة هذا النوع من الممارسات في المحافل العامة وفي ثنايا الخطاب الرسمي سواء من طرف المعارضة التي لا تفتأ تعيب على الحكومات تساهلها إن لم نقل تواطئها مع المفسدين داخل دهاليزها، أو من طرف الحكومات التي تتحدث دوما عن السعي إلى إجتثاث الفساد وتنقية الإدارة منه.
ومن جهة ثانية وعلى النقيض من هذه النظرة التي تحمل إجماعا ظاهريا على نبذ الفساد، تكشف أعمال المسؤولين سواء من أدانوا هذه الأعمال من داخل صفوف المعارضة أو من مواقع رسمية إجماعا من نوع آخر، حيث تتناسب القيمة السياسية والإجتماعية للفرد طرديا مع قدرته على التلاعب بالمال العام ونهبه، فهكذا ترى من إشتهروا بالجرأة في السطو على المال العام يتنقلون من أفضل المواقع والمناصب الحكومية إلى أكثرها حساسية وكأنهم يكافؤون على ماراج عنهم داخل الأوساط الرسمية والشعبية من الخيانة.
فلا تلبث تسمع عن سرقات فلان في إدارته للشركة كذا وعن إفلاسها هذه الأخيرة حتى تتفاجأ به وزيرا في بداية رحلة طويلة من التكريم على ما أقترفت يداه. والأمثلة على هذا أكثر من أن يطالها الحصر، فمن الشيخ العافية، إلى السغير ولد إمبارك وإنتهاء بولد الواقف طريق طويل من العبث بالمال العام والمؤسسات الوطنية تجعل من السهل على المرأ أن يجزم بأن أقصر الطرق إلى تسنم المناصب الحكومية والتعمير فيها يبدأ بإفلاس أحدى الشركات أو المؤسسات العامة.
كما أنه بالموازات مع هذه الممارسات يجد المرأ قبولا واسعا على مستوى الأفراد والمجموعات القبلية لسرقة المال العام بل والتشجيع عليه بحيث يوصف أصحابه بالشمرة والرجولة إلى غير ذلك من صفات الحمد، ثم تراهم يستقبلون أينما حلوا إستقبال الأبطال، وكأن لا أحد يعير إهتماما لقيم كالنزاهة والصدق أو يجرأ على السؤال: أين لك هذا؟ وفي ذات الوقت يوصف نظرائهم من المسؤولين الذين لم يظهروا مواهب تذكر في هذا المضمار(وما أقلهم) بأضدادها ذلك، فهم إما منفوشون أو متخلفون عاجزون عن مجارات الركب.
ومن غير النادر أن تسمع في المجالس الخاصة لأكابر القوم وعليتهم ممن هم مظنة للورع والعلم تحريضا واضحا للشباب على إغتنام أي فرصة للتعيين والعمل على جعلها مفتاحا للثراء ولاتؤودهم القدرة على تحريف النصوص الدينية لدعم موافق كهذه. ورغم غرابة هذا النوع من المواقف فإن الأغرب هو أن نفس الشخصيات لاتجد غضاضة في مناقضة مثل هذه المواقف في العلن، وهم بذلك يبعثون رسالة إضافية مفادها أن قائمة المحرمات الشرعية التي يمكن التساهل في أمرها لا تتوقف فقط على الغلول بل تضم الكذب من بين أمور أخرى.
هناك بدون شك داخل المجتمع الموريتاني على الرغم من سمات المحافظة الظاهرة الكثير من الأمور التي تحتاج إلى المراجعة لكن لا شيئ على الإطلاق يضاهي النفاق الفردي والجماعي في مسألة سرقة المال العام. فكون البعض يستخدم المنابر الحزبية والإعلامية للتشهير بالأفعال المشينة لهذا الفرد أو ذاك أو هذه الجهة أو تلك وإنتقاده الشديد للفساد والمفسدين لا يمنعه من أن يكون شريكهم وجليسهم وحليفهم السياسي، بل لا يحبسه ذلك من ربط أكثر العلاقات حميمة مع هؤلاء، كما لا يجعله يتردد لحظة في التصرف بنفس الاسلوب لو تقلد منصبا سياسيا، وكأنه لم يكن ينقم على هؤلاء إلا عدم إشراكهم إياه من الكعكة!!
حالة كهذه هي حالة مرضية بدون شك لو حصلت لمجموعة من الأفراد، لكنها كارثة حقيقية عندما تصيب أمة بأكملها! نعم أمة مصابة بجميعها لا فرق بين الغارقين إلى مستوى أعينهم في مستنقعات الفساد العكرة ومن حبسهم ضعفهم أو سوء حظهم بعيدا على الأطراف ينتظرون دورهم:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
لا أحب أن أبسط الأشياء، لاأحب أن أعمم تعميما مخلا قد يرى في البعض ظلما لهم، لكن، بالله عليكم، لا يمكن للمرأ إلا أن يعتبر هذه الحالة عامة ما دام بوسع رجالات يتندر الأطفال قبل الكبار بإفسادهم في الأرض، يعرف أهل الترارزة كما يعرف أهل آدرار والحوض الشرقي عبثهم بمقدرات البلد، ما دام رجال فسادهم بلغ هذه الدرجة من التواتر لم يسجن أي منهم يوما واحدا و لم يوقف أحدهم لحظة واحدة للإستجواب…وأكثر من كل هذا لا يخرجون من باب حكومة إلا دخلوا من نافذة أخرى….
بالله عليكم، هل حمل هؤلاء السلاح على الناس فأرغموهم على التصويت لهم أو تعيينهم؟ هل نزل كتاب سماوي بضرورة طاعتهم وتسويدهم؟؟ أم أن ميوعة المجتمع تحتم تحكم أباطرة المافيات وقياس القيم بمؤشر عكسي!
إن أمة تقبل أن يتسنم أمثال الشيخ العافية وبيجل ولد حميد والسغير ولد إمبارك وسيدي ولد الشيخ عبد الله وولد الواقف مناصبها العليا، هي بالفعل أمة قمينة بكل تخلف!!
إن أمة تبلغ من الوهن وضعف الذاكرة وهوان ذاتها عليها أن تسمح لشخصية مثل حمود ولد عبدى أن تمتلك الوقاحة لتقيم مؤتمرا صحفيا لتعلل فيه أسباب مغاضبتها لشرذمة ولد الواقف بالحرص على مصالح البلد هي أمة هزلت حتى بدى من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلسي!!
إن أمة يتحجج فيها من حسبوا حتى وقت قريب على طائفة الإصلاح بفقه إبن تيمية ليبرروا الدخول في حكومة إبن الواقف الذي لا تزال يداه وثيابه ملطخة بدماء الخطوط الجوية الموريتانية، والشيخ العافية الذي يعتبر بحق أشهر لصوص المال العام وأكثرهم جرأة على التطاول على قيم البلد، هي أمة هالكة إن لم يتغدمها الله برحمته. فرحماك يا رب العالمين!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























