المكر الشيطاني؟

كتبهاولد عبد الكافي ، في 6 يونيو 2008 الساعة: 07:23 ص

قبل أسابيع من التعديل الوزاري الأخير الذي أطاح بحكومة الزين ولد زيدان وجاء بحكومة الشيخ العافية وبيجل وولد الواقف، كنت قد نشرت مقالا على موقع الأخبار طرحت من خلاله تصورا عن واحد من السناريوهات القليلة التي يمكن من خلالها أن تخرج موريتانيا من حالة التخبط التي عاشتها على مدى العقود الخمسة الماضية من عمرها.

السناريو موضع الذكر يتلخص في حصول ثورة شعبية هادئة تستعيد من خلالها الجماهير السلطة من أيدي النخب العابثة التي ظلت تتداولها منذ الإستقلال وإلى اليوم.

وأوضحت في ذلك السياق حقيقة أنه لكي تنجح الثورة هذه لابد من إبعاد كل العناصر التي شاركت في الحكومات السابقة بغض النظر عن الموقع الذي شاركت منه، بحجة أن هذه العناصر إعتادت على السير والحركة داخل عالم الملهاة-المأساة الذي نعيشه اليوم ولم يعد بمقدورها أن تتصورا واقعا مغايرا أو أسلوبا مختلفا في الإدارة ومن ثمة فإن من حقها على الوطن (على الرغم من كل ما إقترفت في حق أبنائه)، ومن مصلحة أهله أيضا أن توضع في مصحات عقلية ودور لإعادة التأهيل في إنتظار أن يستعيد أفرادها عافيتهم.

ومن الخطأ هنا التفريق بين من يتموقعون اليوم تكتيكيا في صفوف المعارضة وأعينهم على ما تسفر عنه الطبخات الوزارية الدورية وبين من يتولون بالفعل وبحماس وتفان منقطعي النظير تصفية ما تبقى من مؤسسات السيادة الوطنية، فكلا الفريقين قد برهن وبما لا يدع مجالا للشك أن الحرص على المصالح العامة ليس على قائمة الأولويات—هذا إذا سلمنا أن مصطلحا من هذا القبيل يوجد في قواميسهم السياسية أصلا.

فلا يخفى على أحد كون كل هذه القوى كانت مستعدة عندما قلب إعل وأتباعه ظهر المجن لأستاذهم في علم الغلول وفنونه أن تفتح صدورها وبطونها لهؤلاء و أن تتناسى كل أحاديثها عن الوقوف في وجه الفساد وعن ضرورة معاقبة مرتكبيه والإنتصاف منهم…وكأن الإنقلابين الجدد ملائكة ذوي أيد نظيفة جاءوا من كوكب آخر و كل همهم أن تصبح موريتانيا، (موريتانيا التي أفنوا أعمارهم وقواهم في سرقة خيراتها وتجويع أبنائها وأستحياء نسائها) بلدا ينعم بالرخاء.

وهكذا وبدون مقدمات تحول إعل ولد محمد فال، الشخصية التي أدارت مخافر وسجون ولد الطائع (أو ما يسمى إحتقارا  للإنسان ومسخا للغته  “بمصالح الأمن الوطني” )، والشخصية التي أثرت من القيام بذلك ثراءا فاحشا، إلى بطل قومي ومسيح مخلص يتكلم بالوحي ويشير بالحكمة.

ومن أجل ذلك إختفت من قواميس الساسة الموريتانيين كل عبارات الشجب والتنديد للإستيلاء على السلطة بالقوة وثقافة الإنقلابات كما أغابت منها الأحاديث عن ثقافة الفساد والديكتاتورية، وإنتهاك حقوق الإنسان والتعامل السيئ مع المساجين الذين ظل بعضهم يقبع في السجون دون أن يجد له وليا أو نصيرا لأن الوقت كان إستثنائيا. وعوضا عن كل ذلك خلقت عبارات براقة من قبيل “المجلس العسكري للعدالة والديموقراطية” و “الفترة الإنتقالية” و “التحول الديموقراطي” و”المصالحة الوطنية” و “تصفية الإرث الإنساني” وغيرها من الترهات التي كانت مجرد عنواوين مسرحية شاركت فيها كل القوى السياسية بإسلامييها (المؤمنين بمصالحهم الضيقة) وعلمانييها (العالمين بإشباع رغباتهم الذاتية)!!

نعم لم تكن إلا لحظات بان فيها أن العسكر كانوا مستعدين لإستدعاء هؤلاء لحضور الحفل الجنائزي لما أريد له يوما أن يصبح الجمهورية الإسلامية الموريتانية، حتى بدى جليا أن الكثير من أصحاب المبادئ والقيم، حماة الفضيلة ورعاتها، والسادة الغيورين على مصالح الوطن، الساعين إلى نشر العدالة، والصقور الواقفة في وجه الفساد، ليسوا سوى أسراب من الغربان وقطعان من الذئاب كل همها أن تحجز موقعا على طرف المائدة: والذئب يعبث بالشواكل والشوى!!

وفي معمعة التحول “الديموقراطي” لم يتذكر المعارضون هؤلاء وهم راتعون في الحمى بل وحتى قبل أن يقفوا على أطرافه، أنهم كذبوا على شعب بأكمله، غرروا بشبابه وضحكوا على شيوخه…سحروه بخطبهم ومهرجاناتهم وألاعيبهم التي لا تنقضى أعاجيبها…أقنعوه بطيبتهم وجديتهم، وإختلافهم عن مترفي المدينة وأكابر مجرميها…زرعوا في قلبه بصيص أمل بأنه مازال في الدنيا متسع وفي أهلها بقية خير…عاش في إنتظار يوم يحيق فيه المكر السيئ بحلقة الفساد، يوم تتبدل فيه المواقع…يدخل فيه المجرمون المحاكم والسجون خائفين منكسرين…يوم يتحرك فيه هؤلاء “الطيبون” ليحموا مصالحه ويستعيدوا له حقوقه…ثم حانت ساعة الحساب ليجد الشعب نفسه وحيدا فريدا، أضيع من الأيتام على مأدبة اللآم…رجاله “الطيبون” قد أجمعوا أمرهم بليل…بدلوا أسمائهم وأشكالهم وحتى أساليب كلامهم…تلونوا كما تتلون الحرباء…لقد تحالفوا مع طابور الفساد…مع ألئك الذين حذروه بالأمس منهم وأفتوه بأنه لن ينالهم الله برحمته!

ماذا ما الذي حصل؟ 

لا كلام ، لكن الجواب واضح لا غبار عليه…يفهمه الطرفان فأهل البلد عقلاء فطنون إلا عندما تصبح الفطنة ذات جدوى: وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فأستجبتم لي………!!

إنه المكر الشيطاني في أبهى صوره!!!  وهل ثمة إسم آخر لواقع كالذي نعيشه… لرحى العبث التي تطحننا…رؤوس “الإصلاحيين”  ولا فتاتهم قد ركبت على بطون المفسدين من أمثال الشيخ العافية وسيد ولد الشيخ عبد الله وبيجل ولد حميد والسغير ولد إمبارك وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب!! وهل ثمة إسم أخر وأشباح الثوريين والكادحيين تتواجد طربا على أنغام أباطرة المخدرات وأناشيد الصوفية وأعينها ترنوا إلى إبن تيمية المتمايل جذلا يتجاذب أطراف الحديث مع إبن الفارض وغولدا مائير!!!  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر